د. تماضر صالح سعيد

معهد المنال للتدريب – الشارقة

مدربة في قياس البصمة الكربونية وإعداد تقاريرها – برامج معتمدة CPD


يتلقى مدير مصنع فواتير الكهرباء والوقود، ثم يطلب من فريقه حساب الانبعاثات. بعد صدور النتيجة، يسأل: ماذا سنفعل بهذا الرقم؟

هنا تظهر أهمية قياس البصمة الكربونية للمؤسسات. فالنتيجة لا تخدم القرار إذا بقيت إجمالًا في صفحة تقرير. تبدأ فائدتها حين يعرف الفريق مصدر الانبعاثات، وما الذي تغيّر، وأين يستطيع أن يتدخل.

ماذا يخبرنا إجمالي الانبعاثات، وماذا يخفي؟

يعطي الإجمالي صورة عن حجم الانبعاثات التي شملها الجرد خلال فترة محددة. لكنه لا يوضح وحده مصدرها أو الإجراء الذي يمكن أن يخفضها.

قد يسجل مصنعان الإجمالي نفسه. يعتمد أحدهما على معدات تحرق الوقود في الموقع، بينما يشتري الآخر الكهرباء لتشغيل عملياته. يحتاج كل مصنع إلى قرار مختلف، رغم تشابه الرقم النهائي.

شرح المقال الأول كيف تحدد المؤسسة ما يشمله جردها من أنشطة ومواقع وفترة زمنية. بعد هذه الخطوة، تستطيع قراءة النتيجة بحسب مصادرها، بدل التعامل معها كرقم مستقل عن العمل اليومي.

كيف يساعد الجرد المؤسسة على اختيار موضع الخفض؟

قد تفترض إدارة فندق أن إنارة الغرف أول ما ينبغي معالجته. ثم تكشف بيانات الجرد أن الوقود المستخدم لتسخين المياه يستحق اهتمامًا أكبر، أو أن سجلات نظام التبريد تشير إلى مشكلة تحتاج إلى فحص. لا يحسم الانطباع وحده أين يبدأ العمل.

يساعد الجرد الفريق على تحديد المصادر التي تستحق الدراسة. بعدها يسأل: هل يوجد عطل يمكن إصلاحه؟ هل يمكن تعديل طريقة تشغيل المعدات؟ وما البيانات التي نحتاجها قبل الاستثمار في نظام جديد؟

ولا يعني المصدر الأعلى انبعاثًا أنه الأسهل خفضًا. الجرد يحدد موضع السؤال، بينما يحتاج اختيار الإجراء إلى فحص التشغيل والتكلفة وإمكان التنفيذ. ثم يقيس الفريق النتائج ليرى ما الذي تغير بالفعل.

لماذا تقيس المؤسسة بصمتها الكربونية قبل أن تضع هدفًا؟

قد تعلن مؤسسة أنها تريد خفض انبعاثاتها، ثم تكتشف أنها لا تملك سجلات منتظمة عن الوقود أو الكهرباء. كيف ستعرف نقطة البداية؟ وكيف ستتابع التقدم؟

يساعد الجرد المؤسسة على تحديد سنة أساس (Base Year) تقارن بها نتائجها اللاحقة. ويشرح بروتوكول غازات الدفيئة للمؤسسات أهمية اتساق المقارنة عبر الزمن، والنظر في التغيرات التي قد تستدعي إعادة حساب انبعاثات سنة الأساس.

لنفترض أن المصنع استبدل معدة تحرق الوقود بأخرى تعمل بالكهرباء. سيحتاج إلى متابعة تغير استهلاك الوقود والكهرباء معًا. إذا نظر إلى فاتورة الوقود وحدها، فقد يظن أن الخفض أكبر مما تظهره بيانات الانبعاثات كاملة.

هل يعني انخفاض الإجمالي أن الأداء تحسن؟

ليس بالضرورة. قد ينخفض الإجمالي لأن المصنع أنتج كمية أقل أو أغلق موقعًا. وقد يرتفع لأن المؤسسة وسعت نشاطها، حتى لو حسنت أداء بعض عملياتها.

لهذا تقرأ المؤسسة الإجمالي إلى جانب معلومات عن حجم العمل والتغيرات التي طرأت عليه. وقد تتابع، عندما يناسب ذلك نشاطها، الانبعاثات لكل وحدة إنتاج أو خدمة. يساعدها هذا المؤشر على معرفة ما إذا كانت طريقة العمل قد تغيرت، لكنه لا يحل محل الإجمالي.

إذا انخفضت الانبعاثات لكل وحدة إنتاج وارتفع الإنتاج كثيرًا، فقد يرتفع الإجمالي. وإذا تغيّرت حدود الجرد أو طريقة الحساب، تحتاج المؤسسة إلى توضيح ذلك قبل أن تنسب الفرق إلى إجراء خفض معين.

هل أصبح القياس متطلبًا وليس خيارًا؟

في الإمارات، لا يقتصر سبب القياس على قرار المؤسسة الداخلي. تنص المادة السادسة من المرسوم بقانون اتحادي رقم 11 لسنة 2024 في شأن الحد من تأثيرات التغير المناخي على القياس الدوري، وإعداد سجل للانبعاثات، وتقديم البيانات والتقارير، للمصادر التي تحددها الوزارة والسلطة المختصة بالتنسيق مع الجهة المعنية.

لذلك لا يصح افتراض أن كل مؤسسة تخضع للمتطلبات نفسها دون التحقق من نطاق تطبيقها.

وقد يأتي الطلب من السوق أيضًا. قد يسأل عميل مورّده عن بيانات الانبعاثات المرتبطة بما يشتريه. وبالنسبة إلى سلع محددة تدخل الاتحاد الأوروبي، تتطلب آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) معلومات عن الانبعاثات المتضمنة في السلع.

وهنا يجب التمييز بين جرد انبعاثات المؤسسة وحساب انبعاثات سلعة بعينها؛ فهما سؤالان مرتبطان، لكنهما ليسا الحساب نفسه.

كيف يفيد القياس عند إعداد تقرير أو الرد على عميل؟

عندما تقول المؤسسة إن انبعاثاتها انخفضت، يحتاج قارئ التقرير إلى معرفة ما قارنته: أي فترة؟ وأي مواقع؟ وما المصادر المشمولة؟ وهل استخدمت طريقة الحساب نفسها؟

تزداد قيمة الجرد عندما يستطيع الفريق الرجوع إلى بيانات الاستهلاك، وشرح طريقة الحساب، وبيان الفجوات والافتراضات التي أثرت في النتيجة. عندها يمكنه الرد على سؤال العميل أو الإدارة بمعلومات يمكن تتبعها، لا بإجمالي يصعب تفسيره.

يحدد ISO 14064-1:2018 مبادئ ومتطلبات قياس انبعاثات غازات الدفيئة وإزالتها والإبلاغ عنها على مستوى المؤسسة. ويساعد بروتوكول غازات الدفيئة على تنظيم الجرد والإبلاغ عنه. في الحالتين، تبدأ جودة التقرير من بيانات النشاط التي تجمعها المؤسسة وتراجعها.

تقيس المؤسسة بصمتها الكربونية لكي تفهم مصادر انبعاثاتها، وتختار ما يستحق المعالجة، وتتابع أثر قراراتها، وتستجيب للطلبات التي تنطبق عليها بمعلومات تستطيع شرحها.

ولكي تقرأ مصادر الانبعاثات قراءة صحيحة، ننتقل في المقال التالي إلى سؤال:ما الفرق بين النطاقات الثلاثة للانبعاثات Scope 1 وScope 2 وScope 3